سر عزف النشيد الوطني في كأس العالم.. كيف تحول من مجاملة دبلوماسية إلى قانون فجر أزمات سياسية؟

سر عزف النشيد الوطني في كأس العالم.. كيف تحول من مجاملة دبلوماسية إلى قانون فجر أزمات سياسية؟

كورة سيتي – قبل أن تنطلق صافرة الحكم لتعلن بدء الإثارة، يصطف أحد عشر لاعبًا بكبرياء تام، واضعين أيديهم على صدورهم، بينما تتجه أنظارهم نحو أعلام بلادهم التي ترفرف في سماء الملعب. وفي تلك الأثناء، تشتعل المدرجات بحناجر الآلاف وهي تردد كلمات النشيد الوطني، في مشهد يمثل اليوم اللحظة الأكثر عاطفية وتأثيرًا في عالم الساحرة المستديرة.

إقرأ أيضاً.. ليفربول يواصل تصدر الدوري الإنجليزي بفوز مثير على إيفرتون

لكن هذا الطقس المهيب، الذي نعتبره اليوم جزءًا أصيلًا لا يتجزأ من هوية بطولة كأس العالم، لم يولد كقانون رياضي منذ البداية. بل مر برحلة تاريخية طويلة امتدت لعقود، تحول خلالها من مجرد «مجاملة دبلوماسية» إلى بند صارم وإجباري في لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم «FIFA»، بل وتسبب في أزمات سياسية حادة كادت تعصف ببعض النسخ المونديالية.

البداية من أوروجواي 1930: تقليد أولمبي بلا قوانين مكتوبة

لم تكن اللوائح المكتوبة للنسخة الأولى من بطولة كأس العالم التي استضافتها الأوروجواي عام 1930 تتضمن أي نص قانوني يلزم المنتخبات بعزف أناشيدها الوطنية. ومع ذلك، شهدت هذه النسخة الوليدة البداية الفعليّة لتطبيق هذا التقليد التاريخي.

في ذلك الوقت، استعارت اللجان المنظمة البروتوكول المتبع في دورات الألعاب الأولمبية، وتحديدًا ما جرى في أولمبياد باريس 1924. وكان العرف السائد يقضي بأن تجلب المنتخبات الضيفة معها «النوتة الموسيقية» الخاصة بنشيدها الوطني، لتقوم فرقة موسيقية عسكرية تابعة للبلد المضيف بعزفها قبيل انطلاق المباريات كنوع من الترحيب والتشريف الدبلوماسي، دون وجود أي عقوبات أو إلزام قانوني في حال غياب النشيد.

مونديال البرازيل 1950: الترسيم القانوني الأول بعد الحرب العالمية الثانية

بعد توقف قسري لبطولات المونديال دام 12 عامًا بسبب أهوال الحرب العالمية الثانية، عادت الروح لجسد الكرة الأرضية في مونديال البرازيل عام 1950. وفي تلك النسخة، أراد الاتحاد الدولي لكرة القدم «FIFA» توجيه رسالة قوية للسلام والتآخي بين الشعوب، وإعادة صياغة الهوية الوطنية للمنتخبات بشكل أكثر تنظيمًا ودقة.

هنا، دخل عزف النشيد الوطني في كأس العالم مرحلة «الترسيم القانوني المكتوب». وللمرة الأولى في التاريخ، أُدرج بروتوكول عزف الأناشيد كبند إجباري في لوائح «فيفا» التنظيمية للمباريات. وأصبحت اللجان المنظمة ملزمة تمامًا بتوفير الأناشيد وبثها بدقة قبل انطلاق أي مواجهة، ليتحول الأمر رسميًا من مجرد «مبادرة ترحيبية» إلى «واجب تنظيمي» صارم لا يمكن تخطيه.

أزمة مونديال إنجلترا 1966: عندما فرضت السياسة كلمتها على الرياضة

رغم أن الأناشيد الوطنية وُجدت في الملاعب لنشر السلام، إلا أنها أثارت في بعض الأحيان أزمات سياسية حادة بين الدول. ولعل أبرز هذه الأزمات ما حدث في مونديال إنجلترا عام 1966.

في تلك البطولة، نجح منتخب كوريا الشمالية في التأهل والمشاركة، وهو ما وضع وزارة الخارجية البريطانية في مأزق حرج للغاية؛ حيث لم تكن بريطانيا تعترف دبلوماسيًّا بكوريا الشمالية في ذلك الوقت، ورفضت السلطات البريطانية تمامًا فكرة رفع علمها أو عزف نشيدها الوطني على أراضيها.

وأمام تمسك الاتحاد الدولي لكرة القدم «FIFA» بضرورة معاملة جميع المنتخبات بالتساوي دون تمييز، خاض الطرفان مفاوضات معقدة للغاية أسفرت في النهاية عن تسوية غريبة: منع عزف الأناشيد الوطنية في جميع مباريات البطولة بالكامل، باستثناء المباراة الافتتاحية والمباراة النهائية فقط! وبذلك نجحت بريطانيا في تجنب عزف النشيد الكوري الشمالي، في حادثة فريدة من نوعها أثبتت كيف يمكن للسياسة أن تفرض إيقاعها على الموسيقى والرياضة.

قانون الـ 90 ثانية: كيف ينظم الفيفا عزف الأناشيد اليوم؟

تطورت اللوائح التنظيمية بمرور الأعوام، حتى حدد «فيفا» بدقة وقت عزف النشيد الوطني بحيث لا يتجاوز 90 ثانية فقط لكل منتخب، وذلك تفاديًا لتأخر البث التلفزيوني وانطلاق المباريات، وحرصًا على الحفاظ على حماس اللاعبين وتركيزهم قبل الصافرة.

اليوم، لم يعد النشيد الوطني مجرد نغمات موسيقية تُعزف لإعلان بدء المباراة، بل تحول إلى سلاح نفسي فعال يشحن معنويات اللاعبين، وبطاقة تعريف ثقافية وحضارية للمنتخبات أمام مليارات المشاهدين خلف الشاشات، لتبقى تلك الدقيقة والنصف التي تسبق صافرة البداية، هي اللحظة التاريخية التي تتوحد فيها الأوطان خلف راية كرة القدم.

مقالات ذات صلة