كورة سيتي – في لحظات معدودة، قد تنقلب حياة الإنسان رأساً على عقب، وتتحول الطمأنينة إلى صراع مرير من أجل البقاء. هذا تماماً ما عاشه المهاجم الهايتي دوكينز نازون، هداف منتخب بلاده الأول لكرة القدم ولاعب نادي استقلال طهران، الذي اختبر في عشر ثوانٍ فقط كيف يتحول من مسافر يستعد للإقلاع من مطار طهران إلى هارب يبحث عن النجاة وسط دوي الانفجارات وقرع طبول الحرب.
تفاصيل اللحظة الحاسمة: “غادروا الطائرة.. بدأت الحرب”
بدأ كل شيء بشكل طبيعي للغاية؛ كان دوكينز نازون يستعد لمغادرة العاصمة الإيرانية طهران متوجهاً إلى العاصمة الفرنسية باريس. صعد المهاجم الهايتي البالغ من العمر 32 عاماً إلى الطائرة، وربط حزام الأمان بعد أن شُحنت حقائبه، وبدأ مضيف الطيران في تقديم إرشادات السلامة المعتادة. في تلك اللحظة، شعر نازون بالارتياح والهدوء، قبل أن يتلقى إشعاراً مفاجئاً على هاتفه المحمول من صديق له يلعب في إسرائيل يخبره فيه بأن صافرات إنذار الحرب قد بدأت بالتدوي هناك.
ويروي دوكينز نازون تفاصيل تلك اللحظات العصيبة لـ “رويترز” قائلاً: “قلت لنفسي في البداية: يا له من حظ رائع، أنا الآن على متن الطائرة ومستعد للإقلاع”. لكن هذا الشعور لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما جاء التوجيه الصادم من طاقم الطائرة: “غادروا الطائرة، بدأت الحرب”. لتتبخر أحلام السفر الهادئ وتبدأ رحلة شاقة للنجاة عبر البر باتجاه أذربيجان.
رحلة برية مرعبة تحت القصف باتجاه طهران
مع توقف حركة الطيران، أصبح جل تفكير الهداف التاريخي لمنتخب هايتي ينصب على عائلته المكونة من زوجته المغربية وأطفاله الأربعة، ورغبته في طمأنتهم بأنه لا يزال على قيد الحياة. ورغم أن غريزته كانت تدفعه لمغادرة البلاد فوراً، إلا أنه اضطر للعودة إلى طهران برفقة زملائه بعد أن تطلب الأمر من النادي ترتيب وسائل نقل للاعبين.
ويصف دوكينز نازون الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة قائلاً: “عدنا بالسيارة باتجاه طهران بينما كان الآخرون يحاولون الهروب منها. كان الطريق المقابل مزدحماً ومغلقاً لعدة كيلومترات، فلم يكن أحد يريد دخول المدينة لأن القنابل كانت تتساقط هناك”. وخلال هذه الرحلة المرعبة، عاش المهاجم الهايتي لحظة اقترب فيها من الموت بشكل حقيقي، حيث قال: “شاهدنا انفجارات قريبة منا. رأينا ضربة تسقط على بعد نحو مئة متر فقط. عندما أفكر في الأمر الآن أقول: يا إلهي، كان الأمر قريباً جداً”.
شريحة إلكترونية ومكالمة قصيرة أنقذت حياة دوكينز نازون
في ظل الحرب، انقطعت الاتصالات تماماً وباتت العاصمة المزدحمة تعيش حالة من الفوضى والهروب الجماعي. وفي وسط هذه العزلة، تمكن دوكينز نازون من إجراء مكالمة هاتفية قصيرة جداً عبر هاتف مسؤول أمني في فريقه استقلال طهران، حيث اتصل بزوجته وقال لها باختصار: “أنا بخير.. احجزي لي رحلة من أذربيجان إلى باريس”.
واتخذ المهاجم الهايتي قراراً يصفه بأنه أنقذ حياته، حيث قام بشراء شريحة إلكترونية “eSIM” على أمل أن تعمل بالقرب من الحدود. وانطلق في رحلة برية شاقة استمرت 20 ساعة متواصلة نحو حدود أذربيجان، وتحت سماء تملؤها الصواريخ والضربات الجوية.
وعند وصوله إلى الحدود الأذربيجانية، واجه نازون عقبة جديدة بعد أن رفض المسؤولون السماح له بالعبور وطالبوه بوثائق إضافية. وهنا كانت الشريحة الإلكترونية بمثابة طوق النجاة، حيث تمكن من التواصل مع السفارة الفرنسية التي تدخلت وسهلت عملية دخوله للأراضي الأذربيجانية.
من أجل حلم المونديال وعائلته في باريس
كان الهدف الأساسي من هذه الرحلة الطويلة والخطيرة هو الوصول إلى باريس من أجل استخراج تأشيرة دخول الأراضي الأمريكية، وذلك للمشاركة مع منتخب بلاده في كأس العالم. والآن، يتواجد الهداف التاريخي لمنتخب هايتي، الذي سجل 44 هدفاً في 77 مباراة دولية، ضمن قائمة منتخب بلاده المستعدة لخوض غمار كأس العالم للمرة الأولى في تاريخهم.